على كفِّ عفريت... كرد العراق بين الانسحاب والطوارئ



على كفِّ عفريت:

كرد العراق بين الانسحاب والطوارئ


مع | مرتضى زاحم


        في العراق، لا تأتي التحولات على شكل مفاجآت، بل كأنها تتراكم بصمت حتى تنفجر دفعة واحدة. خلف الضجيج الإعلامي والتصريحات الدبلوماسية، ثمة إشارات صامتة تنذر بانطفاء الحذر الأخير في اللعبة السياسية. وبين تلك الإشارات، يبرز خطاب المشهداني الأخير كصفّارة إنذارٍ لا يستهان بها، تُفرّغ الخيال من ترف التنظير وتزرعه في تربة الواقع.


الحديث عن انسحاب كردي من العملية السياسية لم يعد هامشًا أو تلميحًا خجولًا. بل يُنقل، وبصيغة شبه مؤكدة، أن مسعود بارزاني يتعامل مع هذا الخيار بجدية غير مسبوقة. هذا الانسحاب - إن تم - لن يكون انسحاب طرف، بل انهيار توازن، وانفلات لغة التفاهم التي بقيت هشة منذ سنوات. فقد اعتاد المشهد السياسي العراقي على التكيّف مع الخصومات، لكن تغييب الكرد من المشهد يعيد رسم خطوط المواجهة إلى مربعات أكثر تطرفًا، وأكثر قابلية للاشتعال.


وبين التراجع الكردي وصمت التيار الصدري، تُرسم ملامح فراغ سياسي قد يجد في الطوارئ مخرجًا قسريًا. تصريح المشهداني كان بليغًا حين قال: "أي انهيار أمني في بغداد سينعكس على جميع المحافظات"، وهي ليست مجرد نبوءة أمنية، بل توصيف دقيق لعنق الزجاجة الذي يتّسع كلما تكدست قوى متنازعة خلفه. والأخطر أن المشهداني لم يكتف برصد الأزمة، بل ألمح إلى احتمالية اللجوء إلى حكومة طوارئ في حال تفاقمت الاضطرابات، مشيرًا إلى أن "ابتعاد التيار الصدري عن السياسة بمثابة ناقوس خطر".


هذا التوصيف يعيدنا إلى الصراع الخفي بين المالكي والسوداني، حيث يقف الأول بثقله التاريخي وشبكته التقليدية، بينما يتحرك الثاني بطموح الاستقلال والهيمنة على المرحلة. التقاطع بينهما لا يُنذر بتكامل بل بانفجار محتمل، خاصة إن أصبحت الدولة في حالة فراغ كردي، وابتعاد صدرّي، واحتقان أمني يتم تغذيته من جهات داخلية وخارجية.


فهل نحن أمام لحظة تُشَرعن فيها الفوضى بذريعة الطوارئ؟ وهل تستغل جهات النزاع هذا الفراغ لتصفية الحسابات باسم "حماية الأمن"؟ في بلدٍ تُدار فيه الأزمات لا تُحل، تصبح الحكومة الطارئة ككلمة سر لانقلاب ناعم، أو بداية انفراط العقد السياسي الذي لم يُبنى أصلًا على أرضية صلبة.


وفي ختام هذا المشهد، يعلو صوت التأمل أكثر من صوت التحليل: هل المشاركة السياسية في العراق أداة بناء أم قناع هش للاستقرار؟ وهل يملك أي طرف القدرة على إعادة ضبط التوازن دون الاعتراف أولًا بفشل المنظومة الحالية؟ العفريت الذي نحاول اتقاءه ليس كائنًا خرافيًا… بل هو نتيجة للعبث بالإجماع، وللإصرار على إدارة بلدٍ متعدد بلغة الأحادية والسيطرة.


لقد بات العراق، مرة أخرى، على كفّ عفريت. فهل من صحوة قبل أن يفتح كفه ويتركنا للسقوط؟




سلسلة تأملات في زمن الانهيار | سلسلة مقالات تتناول تحولات الواقع العراقي والعالمي من زاوية رمزية وفلسفية، يكتبها مرتضى زاهيم، بعيون تأملية وقراءات غير تقليدية.


للمتابعة والقراءة ضمن السلسلة: #تأملات_في_زمن_الانهيار

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف غيّر كورش سردية الأسر اليهودي؟ وما علاقة الفرس بذلك؟

تأملات في زمن الانهيار — حين يُحرق القوت قبل الحلم