كيف غيّر كورش سردية الأسر اليهودي؟ وما علاقة الفرس بذلك؟




كورش و ظلال الوعد بين النيل والفرات

-من سلسلة تأملات في زمن الانهيار-


مع | مرتضى زاحم 


       - في لحظات الانهيار، حين تتداخل الأسطورة بالتاريخ، يظهر كورش ككائن رمزي عابر للهويات، فارسي الأصل، منقذٌ للشعبٍ السامي "اليهود"، ودخل بابل يعيد ترتيب المصائر كان ذلك في عام 539 ق.م، حين تحولت بوابة الآلهة إلى مسرح للعودة… بعد الدمار.

لكن لا يمكن فهم هذا المشهد دون العودة إلى البداية: إلى عام 597 ق.م، حين قاد نبوخذ نصر الثاني سَبيًا جماعيًا لليهود من القدس إلى بابل ولم يكن ذلك مجرد نفيٍ سياسي، بل أسرٌ ثقافيٌ روحيٌ عميق... وجُردوا من هيكلهم، ومن وطنهم، وأُعيد تشكيل سرديتهم تحت سماءٍ لا تنتمي لنبوّاتهم... هناك، على ضفاف الفرات، بدأوا يُعيدون تعريف أنفسهم، فانبعثت فكرة "الكتاب"، وظهر أول شكل من التوراة، كصرخة ضد فقدان المركز.

ثم جاء كورش.....

من أنشان، إحدى مدن فارس، جاء حاكمٌ لا يشبه نبوخذ نصر، وأصدر مرسومًا يُعيد فيه الشعوب المنفية إلى أوطانها و من بينهم، اليهود...وهذا الفعل لم يكن سياسيًا فقط، بل تحول إلى رمزٍ دينيٍ في نصوصهم: فالتوراة تصفه بأنه "مسيح الرب" الذي فتح أمامهم طريق العودة... وهنا تبدأ علاقة غير مألوفة بين الفرس واليهود… علاقة لم تكن قومية، بل توأمة روحية عابرة للعرق والحدود، حيث ظهر وعدٌ في نصوصهم: "من النيل إلى الفرات".  

وهنا يتبادر الى ذهني العديد من التساؤلات... فهل فعلاً منحهم كورش هذا الامتداد؟ أم أن الرمز توراتي توسعي، تطوّر لاحقًا ليصير أداة سياسية؟ كما تتداخل الجغرافيا باللاهوت، ونتساءل: هل يحق للرؤى الدينية أن تصوغ الخرائط؟ وهل يمكن لوعدٍ خلاصي أن يتحوّل إلى نزاعٍ واقعي؟ ففي زمن الانهيار، يصبح هذا السؤال محورًا: متى يتحوّل الرمز إلى أداة انهيار جديد؟

بابل، التي كانت سجناً لهم، تحوّلت لاحقًا إلى بوابة العودة... وهكذا يتكرر مشهد مفارق: الأسر ثم التحرر، الغريب ثم القريب، الأسطورة ثم الجغرافيا، فاليهود تأثروا بالثقافة البابلية، واقتبسوا منها مفاهيم مثل القيامة، والتوحيد، وحتى نبوءات آخر الزمان، وفي قلب كل هذا، تقف بغداد اليوم، لا كمدينة تجاوزتها الأحداث، بل ككيانٍ يهمس بأن التاريخ ليس ماضيًا، بل حوارٌ مستمر بين القوى والرموز.  

"في شارع المتنبي، تُباع الكتب التي تروي هذه الحكاية، لا كمعلومة، بل كنبض..... و القارئ لا يبحث عن كورش كشخص، بل كمرآة يسأل فيها عن الخلاص… ففي زمن الانهيار، حين تفلت المعاني من قيودها، يظهر كورش كشعلة صغيرة وسط ظلام السرديات المتنازعة: هل التحرير يعني القوة؟ هل العودة تصنع الهوية؟ أم أن كل ما حدث كان دورة أخرى من دورات التوازن الكوني بين الأسر والتحرر، بين بابل والقدس، بين النيل والفرات؟"

كورش و ظلال الوعد بين النيل والفرات

-من سلسلة تأملات في زمن الانهيار-


مع | مرتضى زاحم 


       - في لحظات الانهيار، حين تتداخل الأسطورة بالتاريخ، يظهر كورش ككائن رمزي عابر للهويات، فارسي الأصل، منقذٌ لشعبٍ سامي "اليهود"، ودخل بابل يعيد ترتيب المصائر كان ذلك في عام 539 ق.م، حين تحولت بوابة الآلهة إلى مسرح للعودة… بعد الدمار.

لكن لا يمكن فهم هذا المشهد دون العودة إلى البداية: إلى عام 597 ق.م، حين قاد نبوخذ نصر الثاني سَبيًا جماعيًا لليهود من القدس إلى بابل ولم يكن ذلك مجرد نفيٍ سياسي، بل أسرٌ ثقافيٌ روحيٌ عميق... وجُردوا من هيكلهم، ومن وطنهم، وأُعيد تشكيل سرديتهم تحت سماءٍ لا تنتمي لنبوّاتهم... هناك، على ضفاف الفرات، بدأوا يُعيدون تعريف أنفسهم، فانبعثت فكرة "الكتاب"، وظهر أول شكل من التوراة، كصرخة ضد فقدان المركز.

ثم جاء كورش.....

من أنشان، إحدى مدن فارس، جاء حاكمٌ لا يشبه نبوخذ نصر، وأصدر مرسومًا يُعيد فيه الشعوب المنفية إلى أوطانها و من بينهم، اليهود...وهذا الفعل لم يكن سياسيًا فقط، بل تحول إلى رمزٍ دينيٍ في نصوصهم: فالتوراة تصفه بأنه "مسيح الرب" الذي فتح أمامهم طريق العودة... وهنا تبدأ علاقة غير مألوفة بين الفرس واليهود… علاقة لم تكن قومية، بل توأمة روحية عابرة للعرق والحدود، حيث ظهر وعدٌ في نصوصهم: "من النيل إلى الفرات".  

وهنا يتبادر الى ذهني العديد من التساؤلات... فهل فعلاً منحهم كورش هذا الامتداد؟ أم أن الرمز توراتي توسعي، تطوّر لاحقًا ليصير أداة سياسية؟ كما تتداخل الجغرافيا باللاهوت، ونتساءل: هل يحق للرؤى الدينية أن تصوغ الخرائط؟ وهل يمكن لوعدٍ خلاصي أن يتحوّل إلى نزاعٍ واقعي؟ ففي زمن الانهيار، يصبح هذا السؤال محورًا: متى يتحوّل الرمز إلى أداة انهيار جديد؟

بابل، التي كانت سجناً لهم، تحوّلت لاحقًا إلى بوابة العودة... وهكذا يتكرر مشهد مفارق: الأسر ثم التحرر، الغريب ثم القريب، الأسطورة ثم الجغرافيا، فاليهود تأثروا بالثقافة البابلية، واقتبسوا منها مفاهيم مثل القيامة، والتوحيد، وحتى نبوءات آخر الزمان، وفي قلب كل هذا، تقف بغداد اليوم، لا كمدينة تجاوزتها الأحداث، بل ككيانٍ يهمس بأن التاريخ ليس ماضيًا، بل حوارٌ مستمر بين القوى والرموز.  

"في شارع المتنبي، تُباع الكتب التي تروي هذه الحكاية، لا كمعلومة، بل كنبض..... و القارئ لا يبحث عن كورش كشخص، بل كمرآة يسأل فيها عن الخلاص… ففي زمن الانهيار، حين تفلت المعاني من قيودها، يظهر كورش كشعلة صغيرة وسط ظلام السرديات المتنازعة: هل التحرير يعني القوة؟ هل العودة تصنع الهوية؟ أم أن كل ما حدث كان دورة أخرى من دورات التوازن الكوني بين الأسر والتحرر، بين بابل والقدس، بين النيل والفرات؟"


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

على كفِّ عفريت... كرد العراق بين الانسحاب والطوارئ

تأملات في زمن الانهيار — حين يُحرق القوت قبل الحلم