تأملات في زمن الانهيار — حين يُحرق القوت قبل الحلم


كل حرائق العراق مفتعلة..
إلا حريق الغضب الشعبي الذي تأخر كثيرًا

مع | مرتضى زاحم

في العراق..  يحترق الخبز قبل أن يُخبز، وتحترق السنابل قبل أن تُحصَد... ما عدنا نُفاجأ حين نرى الحقول تشتعل ولا حين تحترق أسواق في الليالي الخالية من الكهرباء والحماية... ففي عام واحد، التهمت النيران أكثر من 19,000 دونم من المحاصيل الزراعية، بعضها بفعل فاعل، والبعض الآخر بفعل غياب دولة.

بات الحريق يُختصر بكلمة واحدة: "خسائر"... نعم... خسائر في الأرواح، في الاقتصاد، في الثقة... كما حدث في سوق الشورجة، سوق جميلة، سوق القيارة... أسماء تحوّلت إلى لافتات لأخبار عاجلة لا تخرج منها الحقيقة، بل الدخان فقط.

النيران في العراق لا تبدأ من عود ثقاب، بل من اتفاق سياسي خفي، من صفقة فساد، من غياب رقابة.... وكل حريق جديد يبدو نسخة معدّلة من سابقه، مع تغيّر الأسماء فقط كأن البلاد تُعيد إنتاج مأساتها بتفاصيل مختلفة، لكنها بنفس السيناريو.

المآسي لا تُكتب في الصحف، بل تُنقش على جدران محترقة، وعلى وجوه أمهات ينتظرن جثثًا لا تعود... من مستشفى ابن الخطيب في بغداد عام 2021، حيث قضى 82 شهيدًا إلى مستشفى الحسين في الناصرية، الذي التهمته النيران من نفس العام، وأسفر عن 92 ضحية، بينهم جثث لم يُتعرف عليها إلا بفحص DNA...

ثم جاءت فاجعة قاعة الأعراس في الحمدانية عام 2023، حين تحوّل الفرح إلى مأتم، وراح ضحية الحريق أكثر من 120 شهيدًا، و250 جريحًا... وصولًا إلى فاجعة الكوت في يوليو 2025، حيث التهمت النيران مركزًا تجاريًا حديثًا، وأسفرت عن مقتل 69 شخصًا وإصابة أكثر من 50 آخرين (كحصيلة أولية).

لم تعد النيران مجرد ظاهرة عرضية، بل تحوّلت إلى لغة يومية للانهيار؛ كل حريق يلتهم أكثر من جدران، إنه يلتهم الثقة، الأمل، والذاكرة.... إنه تجسيد لانعدام المعنى، حيث تُحرق الوثائق بدلًا من حفظها، وتُحرق الأرواح بدلًا من حمايتها... فالناس لا تموت فقط بسبب النيران، بل بسبب غياب الدولة، غياب العدالة، وغياب الضمير...

في زمن الانهيار، لا يكون الحريق مجرد نار، بل مَجاز لانحلال أكبر، إنك لا تسمع صفارات الإنذار، بل ضوضاء الفوضى... لا ترى رجال الإطفاء، بل موظفي الدفاع بدون حول ولا قوة... لم تعد المأساة في الحادثة بل في تكرارها، في استسلامنا لها وفي قدرتنا على التكيّف مع الرعب كأنه طقس اجتماعي موسمي.

وسط هذا المشهد المؤلم، تظل الحرائق شاهدًا صامتًا على زمن يفضل الاحتراق على المواجهة، وينشغل بإحصاء عدد الموتى بدلًا من منعهم.... 

فمتى نكتب السطر الأخير في هذه السلسلة؟ ومتى ننجو من نار لا تحتاج إلا لإشارة كي تبدأ، لكنها تحتاج إلى يقظة شعب كي تنطفئ؟ 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كيف غيّر كورش سردية الأسر اليهودي؟ وما علاقة الفرس بذلك؟

على كفِّ عفريت... كرد العراق بين الانسحاب والطوارئ