لحظة ولادة جديدة: العراق بين جمر تشرين وحلم التجدد
لحظة ولادة جديدة: العراق بين جمر تشرين وحلم التجدد
مع | مرتضى زاحم
في زمن تكدست فيه الخيبات على خرائط النفوس، وانكمشت الأحلام تحت وطأة الخراب السياسي، بدا العراق وكأنه يختنق في دائرة مغلقة من المحاصصة والفساد والانكسارات. لكن وسط هذا الظلام، كانت هناك شرارة لا تنطفئ، ترتجف في صدر كل شاب، كل أم شهيدة، كل شارع سكنته صرخة الحرية. إنها ليست مجرد دعوة للإصلاح، بل توق إلى خلق واقع مختلف، إلى لحظة لا تُولد فيها حكومة، بل يُولد وطن من رحم الألم.
كانت تشرين هي الصرخة الأولى، صوتًا غير قابل للالتباس، خرج من أفواه عطشى للكرامة، ومن عيون أبصرَت الزيف المتراكم عبر سنوات القهر. في تشرين الأول من عام 2019، لم يعد الشارع ساحة للمرور، بل صار ساحة للتحول. هناك، في التحرير والزيتون والحبوبي، كتب الشهداء أول سطر في رواية لم تنتهِ بعد، بل بدأت الآن فقط تتفتح فصولها. الدم الذي سُفك لم يكن عبثًا، بل كان الحبر الذي يُعيد كتابة العقد العراقي، لا بين الطوائف فحسب، بل بين الإنسان ووطنه.
واليوم، وبين طموح زعامات إصلاحية تحمل وجع الناس، وبين جمهور لم يعد يرضى أن يُدار بالمصالح الفئوية، تتشكل ملامح لحظة قد تكون التأسيسية في تاريخ العراق الحديث. لحظة ولادة جديدة لا تنتظر اعترافاً دوليًا ولا وساطة إقليمية، بل تستند إلى الإيمان الجمعي بأن العراق لا يجب أن يُدار عبر موروث الانقسامات، بل عبر رؤية تتجاوز الماضي وتحتضنه، لا لتكرره، بل لتتجاوزه.
الولادة لا تعني القطع فقط مع ما مضى، بل تعني تعهدًا أخلاقيًا بأن ما سيأتي يجب أن يكون أرقى مما فات. إنها مثل ولادة طفل بعد طول انتظار، هشّ لكنه مفعم بالأمل، يحتاج إلى رعاية وتضافر، وإلى من يؤمن أنه سيكبر ليكون مختلفًا. هكذا هو العراق اليوم: طفل يولد من رماد، يحمل في عينيه إرث الشهداء، وفي صوته وجع الأمهات، وفي قلبه اشتياقُ شعبٍ إلى وطن لا يُنهب ولا يُحاص.
قد يبدو الطريق طويلًا، ومعقدًا، ومليئًا بالتحديات، لكن اللحظة التي نعيشها ليست لحظة أزمة، بل لحظة تحول. لحظة تستدعي الخيال قبل التخطيط، الشجاعة قبل الحسابات، والحب قبل المصالح. إنها لحظة كتابة جديدة للهوية العراقية، لا بالكلمات فقط، بل بالفعل، بالمشاركة، بالمواجهة، وبالحلم الجماعي الذي لا يعترف بالهزيمة.
تشرين لم تكن غيمة عابرة، بل كانت المخاض الأول. واليوم، الولادة تلوح من خلف الأفق، تهتف بها الأرواح التي لم تنكسر، وتنشدها أمهات الشهداء، ويخطو نحوها كل من رفض الصمت وقرر أن يكون جزءًا من الجواب، لا مجرد سؤالٍ معلّق.

تعليقات
إرسال تعليق