دعوة السماء إلى السلام... أم نداء الأرض إلى الكراهية؟
(دعوة السماء إلى السلام... أم نداء الأرض إلى الكراهية؟)
مع | مرتضى زاحم
من سلسلة تأملات في زمن الانهيار
في هذا الزمن الذي تصدّعت فيه القيم، وكثرت فيه الشُبهات، وعلا فيه صوت الفوضى باسم الدين والسياسة، تبرز الحاجة إلى العودة إلى جذور الرسالة السماوية، لا بوصفها طقوساً جامدة، بل كنداء حيٍّ يُحيي الإنسان من داخله. إن ما يجمع الرسالات السماوية ليس الشكل، بل وحدة الرسالات السماوية: عندما يدعو الله إلى المحبة ويُحذّر من التطرف، فهي دعوة واحدة، وغاية واحدة: أن يعيش الإنسان مع أخيه الإنسان في سلام، وأن يعبد الله في محبة وطاعة واختيار.
لكن التاريخ لا يرحم من استبدل النور بالعتمة، إذ نرى كيف اختُطفت الرسالة، مراراً، على يد من جعلوا من الدين وسيلة قهرٍ لا نجاة. التدين الحقيقي لا يُقتل باسمه أحد، بل يبعث الحياة في النفوس، ويُبشّر بالرحمة لا بالهلاك. إن التطرف، بكل أشكاله، هو انحراف شيطاني يُلبس الإثم لباس الإيمان. أولئك الذين يستغلون الدين ليَحكموا، أو ليُقصوا، أو ليُدمّروا، لا يُمثلون إلا أنفسهم. الأخيار من كل دين... يتبعون دعوة الله لا فُتنة الشيطان.
في هذا المشهد المتصدّع، تنادي السماء من جديد: لا تعودوا للدين كحرب، بل كسلام؛ لا ترفعوا رايته كقيد، بل كجسر. فـ حين يُصبح الاعتدال عبادةً والتطرف خيانةً للرسالة، يصبح الصمت عن الحق خيانة، ويُصبح واجب الأخيار أن يتكلموا.
لقد كان الأنبياء ـ كلهم ـ دعاة وئام، لا سُلطان؛ مُعلّمين لا غُزاة. نطقوا بالحق لا بالسيف، وجعلوا التسامح قرين العبادة. لذلك، جسور الوئام لا تُبنى بالدماء، بل تُبنى بالفهم والتراحم. والاعتدال ليس حياداً بارداً، بل بصيرة حارة تُحافظ على الكيان دون أن تُخاصم الآخر.
اليوم، في زمن انهيار المعاني، علينا أن نعيد قراءة رسالات السماء بمنظور إنساني، لا بنظرة طائفية أو سياسية. علينا أن نُدرك أن الدين الذي يدعو إلى الرحمة لا يسكنه الغُلاة، وأن الأصوات العاقلة، من كل مذهبٍ ودين، عليها أن تنهض بدعوتها للخير، كي لا يُترك المجال للشر أن يُنطق باسم الله.
فلتكن تأملاتنا هذه منارات في زمن الظلام، تدفعنا لأن نسأل لا عن الاختلاف، بل عن القدرة على اللقاء. فـ رسالة السماء... إنقاذ للإنسان لا تدميره.

تعليقات
إرسال تعليق